اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

168

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

مجلدا لابن عساكر ( توفى عام 571 ه - 1176 ) ، خاصة وأنه يوجد في طبعة لا تبعث كثيرا على الرضى . هذا النوع من تاريخ المدن الذي يتضح فيه الميل إلى وصف خططها قد نال انتشارا واسعا في الأدب العربي بحيث لا تكاد توجد مدينة كبرى في العالم العربي إلا ولها مؤرخها من هذا النوع . وبعض - - هذه المؤلفات يمثل أحيانا أهمية خاصة من وجهة نظر الجغرافيا التاريخية في أوسع مدلولها ويصدق هذا بصورة خاصة على « تاريخ بخارى » للنرشخى ( توفى عام 348 ه - 959 ) 67 . وقد كتب هذا المصنف بأسلوب لا يخلو من الصنعة ، وقدمه مؤلفه إلى نوح بن نصر السامانى حوالي عام 943 ثم ترجم إلى الفارسية في القرن الثاني عشر ، وهي التي وصلتنا وذلك في صورة معدلة ترجع إلى أزمنة متأخرة . هذا وقد قدر مؤرخو تركستان قيمته منذ عهد طويل وأخضعوه لدراسة منظمة ، وفي الحقيقة أن التنقيحات والاختصارات والزيادات التي لحقت بهذا الكتاب 68 تبرر بالكاد نسبته إلى النرشخى ، ولكن بالرغم من هذا الشكل الذي آل إليه أخيرا فإنه يحتفظ بالكثير من أخبار بلاد ما وراء النهر قبل الإسلام وفي فترة الفتوحات العربية . كما لا تخلو من قيمة المعلومات ذات الطابع الجغرافي التي يوردها عن المناطق المأهولة حول بخارا والمباني والمحاصيل وأساليب الحياة المتخلفة عن العهد السابق لدخول الإسلام إلى تركستان 69 . ويتميز بنفس هذه الدرجة من الطرافة كتاب مفقود هو « التاريخ في أخبار ولاة خراسان » لعلى السلامي الذي يرجع تأليفه إلى حوالي عام 344 ه - 955 ، وقد أفاد منه كثيرا المؤرخون المتأخرون مثل كرديزى وابن خلكان ، وعلى الأخص ابن الأثير الذي كان هذا الكتاب يمثل بالنسبة له المصدر الأساسي لتاريخ خراسان وبلاد ما وراء النهر إلى منتصف القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي ) . ويتضح مما نقلوه عنه أنه كان كتابا حافلا بشتى صور الحياة اليومية والمعلومات الجغرافية . وقد اكتسب الأدب الجغرافي - الطوبوغرافى انتشارا واسعا خاصة في مصر ، حيث يمكننا أن نتتبع منذ النصف الثاني للقرن التاسع ميلاد نوع فريد مستقل من المصنفات من الطراز المعروف باسم « الخطط » ، أي وصف الأحياء والنواحي . وقد استمر هذا النمط في سيل لا ينقطع ، بل ليس من العسير أن نتبين آثار مولده لدى أول مؤرخ لمصر وهو ابن عبد الحكم ( توفى عام 257 ه - 871 ) 70 في كتابه « فتوح مصر » ؛ وهو يقع في خمسة أبواب يفرد الثالث منها لوصف خطط الفسطاط والجيزة والإسكندرية ؛ وقد ورد في الشطرين الأولين من هذا الباب لفظ « خطة » . ويعوز المؤلف الكثير من الموهبة النقدية ، ومع ذلك فيجب تقدير كتابه بوصفه أول مؤلف يصل إلينا من هذا النوع . وأوضح دليل على قيمته أن المؤرخين المتأخرين قد أفادوا منه كثيرا ، ولا يقتصر هذا على المصريين وحدهم من أمثال المقريزي والسيوطي بل تعداه إلى غير المصريين مثل ياقوت . ويرى المقريزي أن أول من ألف في هذا الباب هو محمد بن يوسف الكندي ( توفى عام 250 ه - 961 ) صاحب كتاب « تاريخ ولاة مصر وقضاتها » 71 ،